حريةٌ داعرة بقلم عبدالفتاح موسى

دائمًا ما كنا نشهد هذا العالم يرفع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويحدثنا طويلًا عن العدالة والمساواة وحق الشعوب في الحياة والاختيار
لكننا لم نصدق هذا العالم الداعر يومًا.
وكيف نصدقه، وقد رأينا بأعيننا أن حريته ليست للجميع، وأن إنسانيته تنتقي ضحاياها، وأن عدالته عمياء حين يكون المظلوم عربيًا، لكنها تستعيد بصرها كاملًا حين تتوافق المصلحة مع الشعارات؟
هؤلاء الذين يدافعون عن حقوق الثوار داخل الدول العربية، هم أنفسهم من يقمعون شعوبهم حين تثور على ما يريدون، ومن يضيقون بالرأي حين يخالف روايتهم، ومن يرفعون شعار الحرية ما دامت الحرية تخدم مصالحهم.
نادوا يومًا بحرية شعب العراق، فاقتحموا العراق، وقتلوا أبناءه، ونهبوا ثرواته، ثم تركوه جريحًا وغادروا وهم يحدثون العالم عن الديمقراطية!
وينادون اليوم بالإنسانية، بينما تُقتل النساء ويُذبح الأطفال في غزة الشامخة، وتُهدم البيوت فوق رؤوس أهلها، ويصبح الموت خبرًا يوميًا لا يحرك في ضمائرهم شيئًا.
أي إنسانية تلك التي تعرف لون الضحية وجنسيته قبل أن تقرر إن كانت ستبكي عليه؟
أي عدالة تلك التي ترى دماء بعض البشر مقدسة، ودماء غيرهم مجرد أرقام؟
إنها العنصرية الحقيقية التي يواجهها المجتمع العربي؛ عنصرية لا تحتاج إلى لافتة مكتوب عليها: «نحن نكرهكم»، لأنها تظهر في المواقف، وفي الصمت، وفي المعايير المزدوجة، وفي قيمة الدم حين يكون عربيًا، وفي قيمة الطفل حين يولد على هذه الأرض.
يدعمون ما أنزل الله به من سلطان، ويطالبون الجميع باحترام اختياراتهم، ثم يتهمون من يتمسك بعاداته وعقيدته وهويته بالتخلف والرجعية.
يرفعون أعلام المثليين حفاظًا على مشاعرهم، ويطالبون العالم كله باحترامها، ثم يستنكرون من يرفع علم فلسطين المقهورة!
فكيف تكيلون؟
وكيف ترون الحرية؟
وهل الحرية عندكم حق للإنسان… أم امتياز تمنحونه لمن تشاؤون وتسلبونه ممن تشاؤون؟
أليست الحرية أن يأمن الناس في أوطانهم؟
أليست الحرية أن ينام طفل في داره، ثم يستيقظ فيها حيًا، لا أن يصبح تحت الأنقاض، ولا أن تبحث أمه بين الحجارة عن قطعة من جسده؟
أليست الحرية أن يعيش الإنسان العربي مرفوع الرأس، دون أن يضطر كل يوم إلى إثبات أنه إنسان يستحق الحياة والكرامة والعدل مثل غيره؟
بل أليست الحرية، حتى في أقل الأمور أهمية، وفي مجرد مباراة كرة قدم، أن يُحكم فيها بالعدل، لا بالأغراض والأموال والمصالح والسياسات النجسة؟
لماذا تقيمون المحافل وأنتم لن تعدلوا؟
لماذا تجمعون العالم حول موائدكم وأنتم قد قررتم مسبقًا من يستحق الاحترام ومن لا يستحقه؟
لماذا تتحدثون عن المساواة، بينما عالمكم قائم على التفرقة؟
لماذا تنطق ألسنتكم بالحرية، بينما الظلم أساس عالمكم، والدماء شرابه، والحروب تجارته، والمصالح عقيدته؟
عالمٌ يشرب الدم ثم يمسح فمه ويتحدث عن الإنسانية.
عالمٌ يهدم البيوت فوق الأطفال ثم يقيم المؤتمرات للحديث عن حقوق الإنسان.
عالمٌ ينهب الأوطان ثم يسأل شعوبها لماذا هي فقيرة.
عالمٌ يصنع الحروب ثم يبكي أمام الكاميرات على ضحاياها.
عالمٌ يرى العربي متهمًا حتى تثبت براءته، ويرى غيره بريئًا ولو كانت يداه تقطران دمًا.
ثم، بعد كل هذا الظلم
بعد كل هذه الدماء
بعد كل هذا القهر والعنصرية والخراب
يقفون أمام العالم، بوجوه باردة وأيدٍ لم تجف عنها الدماء، وينطقون بكلمة واحدة
الحرية!
أي حرية تتحدثون عنها؟
وأي إنسانية بقيت لكم؟
وأي عدالة يمكن أن تخرج من عالمٍ الظلم أساسه، والدماء شرابه، والمصلحة إلهه، ثم يريد منا أن نصفق له حين ينطق باسم الحرية؟
ولماذا تظنون أن العالم غافل عما تفعلون؟
حقًا أنتم أبناء المسيح الدجال.




