نقش تمحوه الأمواج

بقلم : عبد الفتاح موسي
رئيس اللجنة النقابية بشركة بتروأمير
التربية في الصغر كالنقش على الحجر…
كنا نظنها حقيقة ثابتة لا تتغير،
نقشٌ يُكتب مرة… فيبقى إلى الأبد.
كنا نؤمن أن ما نزرعه اليوم في قلوب أبنائنا، سنجده غدًا ثابتًا لا تهزه رياح، ولا تغيّره الأيام.
لكن…
في هذا الزمن، لم يعد الحجر كما كان ولم تعد النقوش كما نظن.
صار الأمر أقرب إلى الرسم على الرمال…
نرسم بقلوبنا قبل أيدينا، نُتقن التفاصيل، ونُخلص النية،
ونبذل من أعمارنا قطعة وراء قطعة ثم تأتي موجة واحدة فقط، لا نراها، لا نتوقعها، فتمحو كل شيء… كأنه لم يكن.
موجات لا ترحم…
موجات اسمها “واقع”،
اسمها “ضغط”،
اسمها “خوف من أن يكون ابنك مختلفًا عن غيره” فنبدأ نحن… نعم نحن…
في التنازل.
تنازل صغير… ثم آخرتحت شعار “الدنيا اتغيرت” و
“لازم يواكب” و “ماينفعش يبقى لوحده”…
وفجأة…
نكتشف أننا لم نكن نُدخل أبناءنا إلى العالم…
بل كنا نُدخل العالم إليهم.
عالم لا يعرف الرحمة…
عالم يبتسم في وجهك، ثم يأخذ ابنك منك… قطعة… قطعة.
ثم يأتي صديق السوء ليس كعدو ظاهر، بل كرفيق لطيف، يدخل بلا استئذان، ويجلس في قلب ابنك مكانك يتكلم بصوت أعلى منك، ويُقنعه أكثر منك، ويأخذه بعيدًا وأنت تنظر… عاجزًا.
نحاول… والله نحاول…
نقترب منهم، نصادقهم، نراقب، نخاف، نقلق،
نسأل عن كل شيء…
ندخل كل الأبواب لكن الأبواب أصبحت أكثر مما نحتمل،
وأوسع مما نسيطر عليه.
نحارب على جبهتين…
جبهة الحياة… لنُطعمهم ونُسعدهم،
وجبهة القيم… لنحميهم مما لا يُرى.
وكلما ظننا أننا اقتربنا اكتشفنا أننا ما زلنا في أول الطريق.
أصبحنا نخاف عليهم…
لا من المرض فقط…
ولا من الفقر فقط…
بل نخاف عليهم من أنفسهم…
ومن زمنٍ لم نعد نفهمه.
نقف في منتصف الطريق لا نحن قادرون أن نمنع الموج،
ولا نحن مطمئنون أن ما بنيناه سيبقى.
نقف بقلوب مرهقة، وأيدٍ امتدت طويلًا حتى تعبت،
وعيونٍ تراقب ولا تنام، وخوفٍ لا ينتهي.
وفي لحظة صدق قاسية نعترف أننا لم نعد نملك كل شيء بل ربما لا نملك إلا الدعاء.
يا رب…
لسنا ضعفاء بك، لكننا ضعفاء بدونك.
يا رب…
قد نحسن التربية… ونُخطئ،
قد نحمي… ويفلت منا كل شيء،
قد نبذل العمر كله…
ولا نضمن النتيجة.
يا رب…
أبناؤنا أمانة…
وأنت وحدك القادر أن تحفظ الأمانة.
فاحفظهم لنا بعينك التي لا تنام،
واربط على قلوبنا حين نخاف،
ولا تجعلنا نُرى فيهم ما يكسرنا،
ولا تُذقنا فيهم وجعًا لا نحتمله.
اللهم إنا قد عجزنا…
فكن لنا… ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين.




