مقالات

أهمية تصنيع الكرسي المتحرك النشط في مصر بين الحق الإنساني والفرصة الصناعية والتنموية

بقلم أسامة عكاشة 

باحث متخصص في شؤن ذوي الاحتياجات الخاصة و الموارد البشرية ، عضو أمانة ذوي الهمم بنقابة البترول.

ــــــــــــــــــ

لم يعد الحديث عن الكراسي المتحركة في العصر الحديث مجرد حديث عن وسيلة تعويضية تساعد شخصًا على الحركة، بل أصبح جزءًا من رؤية أوسع ترتبط بحقوق الإنسان، والاستقلالية، والتنمية الاقتصادية، والتقدم الصناعي. وفي قلب هذه الرؤية يبرز مفهوم “الكرسي المتحرك النشط” باعتباره أحد أهم الابتكارات التي غيّرت حياة ملايين الأشخاص ذوي الإعاقة حول العالم.

 

وفي مصر، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى للدخول الجاد في مجال تصنيع الكراسي المتحركة النشطة محليًا، ليس فقط لتقليل الاستيراد، بل لبناء صناعة وطنية تحمل بعدًا إنسانيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا.

 

فالكرسي المتحرك التقليدي يختلف جذريًا عن الكرسي النشط. الأخير صُمم ليكون امتدادًا لجسد المستخدم، خفيف الوزن، سريع الحركة، عالي الكفاءة، يساعد الشخص على ممارسة حياته اليومية باستقلالية أكبر، سواء في الدراسة أو العمل أو الرياضة أو التنقل الحر. إنه ليس مجرد “كرسي”، بل أداة تمكين حقيقية.

 

وتكمن المشكلة الأساسية في أن أغلب الكراسي النشطة الموجودة في السوق المصري يتم استيرادها بأسعار مرتفعة للغاية، تجعل الحصول عليها حلمًا صعبًا بالنسبة لكثير من المستخدمين. فتكلفة الكرسي الواحد قد تتجاوز مئات الآلاف من الجنيهات أحيانًا، نتيجة الاعتماد الكامل على الاستيراد، وارتفاع تكاليف الشحن والجمارك، وندرة مراكز الصيانة وقطع الغيار.

 

من هنا تظهر أهمية التصنيع المحلي.

 

إن تصنيع الكرسي المتحرك النشط في مصر يمكن أن يحقق عدة مكاسب متوازية في آن واحد. أول هذه المكاسب هو البعد الإنساني والاجتماعي، إذ يتيح توفير منتج عالي الجودة بسعر أكثر ملاءمة، ما يمنح آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة فرصة حقيقية للحركة المستقلة والمشاركة الكاملة في المجتمع.

 

أما البعد الاقتصادي، فهو لا يقل أهمية. فهذه الصناعة قادرة على خلق سوق واعدة تجمع بين الهندسة الميكانيكية، وتصنيع المعادن الخفيفة، والتجهيزات الطبية، والإلكترونيات، والتصميم الصناعي. كما يمكن أن تفتح المجال أمام شركات ناشئة ومصانع محلية للدخول في قطاع عالمي سريع النمو.

 

وتملك مصر بالفعل مقومات تؤهلها للدخول في هذا المجال؛ فهناك قاعدة صناعية جيدة، وخبرات هندسية متقدمة، ومؤسسات قادرة على التطوير، إضافة إلى موقع جغرافي يسمح بأن تتحول مصر مستقبلًا إلى مركز إقليمي لتصدير الكراسي المتحركة إلى أفريقيا والشرق الأوسط.

 

لكن النجاح في هذا الملف يتطلب فهمًا عميقًا لطبيعة الكرسي النشط نفسه. فالمستخدم لا يبحث فقط عن منتج يؤدي وظيفة ميكانيكية، بل عن تصميم ذكي يراعي الوزن، والتوازن، وسهولة الحركة، والراحة، والشكل الجمالي، وقابلية التخصيص وفق طبيعة كل مستخدم. لذلك فإن إشراك المستخدمين أنفسهم في مراحل التصميم والتطوير يعد عنصرًا أساسيًا في نجاح أي تجربة تصنيع.

 

كما أن هذه الصناعة تحتاج إلى شراكات بين القطاع الخاص، والجامعات، ومراكز البحوث، والجهات الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل الوصول إلى منتج مصري قادر على المنافسة الحقيقية.

 

ومن المهم أيضًا النظر إلى هذه الصناعة باعتبارها جزءًا من الأمن الاجتماعي للدولة. فالدول المتقدمة لم تعد تتعامل مع الأجهزة التعويضية باعتبارها مجرد أدوات طبية، بل كجزء من تمكين المواطنين اقتصاديًا وتعليميًا ومهنيًا. وكل جنيه يُنفق في تحسين الحركة والاستقلالية يعود على المجتمع أضعافًا في صورة إنتاج وعمل ومشاركة.

 

إن تصنيع الكرسي المتحرك النشط في مصر ليس رفاهية صناعية، بل خطوة حضارية تعكس احترام الإنسان وحقه في الحركة والكرامة والاستقلال. وهو مشروع يحمل في داخله بعدًا اقتصاديًا وصناعيًا وإنسانيًا في آن واحد.

 

وربما يأتي اليوم الذي نرى فيه كرسيًا متحركًا نشطًا يحمل عبارة “صنع في مصر”، لا باعتبارها مجرد علامة تجارية، بل باعتبارها إعلانًا عن إرادة حقيقية لبناء مجتمع أكثر عدالة وقدرة وإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!