المزيد

طفولة ممزقة على مقصلة العناد التشريعي وأرقام الانفصال الصادمة

بقلم:  أشرف محمد – المحامي

بين أروقة محاكم الأسرة المكتظة، لا تدور رحى معارك قانونية عادية، بل تُرتكب جنايات صامتة في حق جيل بأكمله. هناك، خلف الأبواب الموصدة لبيوت تهاوت أركانها، يتحول الأطفال فجأة من ثمار حب مأمول إلى “أوراق ضغط” رخيصة، و”أدوات نكاية وانتقام” متبادلة بين شريكين قررا الانفصال. هذا المشهد الدامي لا يعكس فقط انهيارًا قيميًا في مجتمعنا، بل يبرهن على الفشل الذريع للبنية التشريعية الحالية لقانون الأحوال الشخصية.

 

إننا أمام قانون يستند إلى نصوص بالية شُرعت قبل نحو قرن من الزمان (عبر القانون رقم 25 لسنة 1920 وتعديلاته)، وهو قانون بات يعيش في غيبوبة زمنية مطلقة، مجردًا من أي فلسفة إنسانية تضع المصلحة الفضلى للطفل فوق نرجسية الأبوين وحسابات المكسب والخسارة.

 

لغة الأرقام: جحيم التفكك الأسري بالدقيقة والثانية

 

إن التشدق بشعارات الاستقرار الأسري يسقط أمام المقصلة الحقيقية التي تكشفها الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. فحين تسجل مصر رقمًا مرعبًا يقترب من 274 ألف حالة طلاق سنويًا، فإننا لا نتحدث عن إحصاء جاف، بل عن كارثة مجتمعية تعني وقوع قرابة 750 حالة طلاق يوميًا، بمعدل يلامس حالة طلاق واحدة كل دقيقتين.

 

هذا التسارع المخيف يعكس وتيرة مرعبة لتشظي الأسر؛ فخلف كل دقيقتين تمران، هناك طفل أو أكثر يُقذف به في أتون صراعات قضائية ممتدة. ومع ارتفاع نسب الطلاق السنوية وتراجع عقود الزواج، يصبح الصمت على هذه البيئة التشريعية الطاردة للأمان نوعًا من التواطؤ ضد أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم نشأوا في مناخ لم يرحم طفولتهم.

 

مقصلة الحضانة والرؤية: مهزلة الثلاث ساعات في مراكز الشباب

 

تتجلى قسوة التشريع وعقمه في ملفي الحضانة والرؤية؛ حيث يدفع الطفل الضريبة النفسية الأكبر من دمه واستقراره. إن ما يُسمى قانونًا بنظام الرؤية، والذي يحصر حق الطرف غير الحاضن في رؤية طفله لمدة ثلاث ساعات أسبوعيًا فقط وفي مكان عام، كمراكز الشباب أو النوادي، هو مهزلة إنسانية مكتملة الأركان.

 

كيف يمكن لثلاث ساعات مشحونة بالترقب والتوتر في مكان عام أن تبني علاقة تربوية أو نفسية سوية؟ إن القانون هنا لا ينظم رؤية، بل يكرس قطيعة رحم ممنهجة، ويحرم الطفل قسرًا من امتداده الأسري الطبيعي، وعاطفة أجداده، وعائلته الثانية.

 

وفي المقابل، يسقط القانون حضانة الأم تلقائيًا بمجرد زواجها، وكأنها تُعاقب على رغبتها في بدء حياة جديدة، ليتنقل الصغير كطرد بريدي بين المحاضن، دون أدنى اكتراث بمدى ارتباطه النفسي والوجداني بأمه.

 

شتات الولاية والنفقات: تجويع مقنن ومساومات رخيصة

 

المعاناة لا تقف عند حدود التشوه النفسي، بل تمتد لتضرب تفاصيل الحياة اليومية للصغار بسبب تشتيت الصلاحيات والولاية. فالأم الحاضنة، التي تتحمل العبء اليومي والتربوي، تظل مجرد منفذ بلا صلاحيات رسمية، بينما تظل الولاية التعليمية والمالية سيفًا مسلطًا بيد الأب أو الجد.

 

هذا التضارب الإجرائي المقيت يعطل حياة الطفل تمامًا؛ فالقرار بنقله من مدرسة، أو سحب أموال للعلاج، أو حتى استخراج جواز سفر، يتحول إلى ساحة للمساومة والابتزاز.

 

أما على الصعيد المادي، فإن طول أمد قضايا النفقات والتحريات، وتفنن بعض الآباء في إخفاء دخولهم الحقيقية، لتبدو نفقات أولادهم فتاتًا لا يكفي ثمن وجبة، هو تجويع مقنن للأطفال. إن ترك الصغار لشهور طويلة بلا غطاء مالي يكفل تعليمهم وصحتهم هو انتهاك صارخ وبشع لأبسط حقوق الإنسان.

 

قانون الأسرة الجديد: كفى ترقيعًا.. الطفل أولًا وأخيرًا

 

إن هذا النزيف المستمر يؤكد أن الترقيع التشريعي بنصوص بديلة لم يعد ينقذ أسرة تسقط في الهاوية.

 

إن الصياغة المرتقبة لـ قانون الأسرة الجديد يجب أن تقطع مع الماضي تمامًا، وألا تنطلق من منطق تصفية الحسابات أو الاستجابة لضغط نسوي أو ذكوري، بل يجب أن تتمحور حول قدسية واحدة: المصلحة الفضلى للطفل فقط.

 

نحن بحاجة إلى ثورة تشريعية تُقر الاستضافة العادلة والمبيت لتعميق روابط الطفل بأبيه، بالتوازي مع عقوبات جنائية رادعة تمنع خطف الصغار. كما نحن بحاجة إلى تفعيل فوري لمنظومة رقمية ومصرفية تقتطع النفقات من الدخل الحقيقي دون تسويف، ودمج الولاية التعليمية والمالية تلقائيًا لمن بيده الحضانة الفعلية، لإنهاء مهزلة المساومات.

 

أطفال الطلاق اليوم هم إما قنابل موقوتة، أو ثروة بشرية لغد هذا الوطن. وإذا استمر القانون الحالي في تمزيق طفولتهم إرضاءً لعناد الكبار، فإننا ننتج أجيالًا مشوهة نفسيًا ستدفع الدولة بأكملها ثمن ذلك.

 

إن إنقاذ الأسرة المصرية لا يبدأ من منصات الدفاع عن الرجل أو المرأة، بل يبدأ، فورًا ومن الآن، من صون كرامة الطفل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!