حين يصبح النقد انتقائياً.. «الغاز» بين حسابات ورقية وقطاع يعمل على مدار 24 ساعة

بقلم : النائب محمد الحداد
في كل نقاش جاد حول قطاع البترول والطاقة، يظل النقد حقاً أصيلاً ومشروعاً، بل ضرورة لتحسين الأداء وتصحيح المسار. لكن ممارسة هذا الحق تفترض احترام طبيعة التخصص، والتمييز بين إبداء الرأي الاقتصادي العام وبين إصدار أحكام فنية على صناعة شديدة التعقيد.
المشكلة ليست في أن يتحدث الاقتصادي عن البترول، فالبترول في النهاية صناعة واقتصاد واستثمار وتمويل وأسواق، وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول القراءة الاقتصادية المجردة إلى أحكام قطعية في مسائل فنية وجيولوجية وهندسية وتشغيلية، دون امتلاك الأدوات العلمية التي تمكن صاحبها من فهم هذه التفاصيل.
فصناعة البترول والغاز ليست جدولاً من الأرقام يمكن وضعه أمام آلة حاسبة ثم الخروج منه بحكم نهائي. الإنتاج ليس مجرد رقم، والاحتياطي ليس مجرد رقم، والبئر ليست مجرد رقم، والاستكشاف ليس بالضرورة إنتاجاً، والإنتاج ليس بالضرورة إنتاجاً مستداماً، والاستيراد ليس بالضرورة دليلاً على فشل الإنتاج المحلي.
كل رقم في هذه الصناعة تقف خلفه منظومة كاملة من العمليات الفنية والاستثمارات والمخاطر.
قبل أن يصل برميل البترول أو قدم الغاز إلى المستهلك، هناك جيولوجيا وجيوفيزياء ومسوح سيزمية، ثم تحديد للأهداف الاستكشافية، وحفر للآبار، وتقييم للمكامن، واختبارات للإنتاج، ودراسات للمردود الاقتصادي، ثم تنمية للحقول، وإنشاء للتسهيلات، وربط بشبكات النقل والمعالجة، وأخيراً تشغيل وصيانة مستمرة.
وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل تكفي قراءة اقتصادية مجردة للحكم على نتيجة عملية استكشافية قد تكون تكلفت ملايين الدولارات قبل التأكد من وجود مكمن اقتصادي قابل للإنتاج؟ وهل يمكن النظر إلى بئر حُفرت على أعماق آلاف الأقدام باعتبارها مجرد رقم في كشف حساب؟
وهل يمكن لمن لا يعرف الفرق بين المسح السيزمي والدراسات الجيوفيزيقية والحفر الاستكشافي وتقييم المكمن وتنمية الحقل والإنتاج التجاري أن يصدر حكماً فنياً قاطعاً على أداء قطاع كامل؟
المسألة ليست تقليلاً من شأن أي تخصص، وإنما احترام للتخصصات.
فكما لا يمكن لمهندس بترول أن يتحدث بثقة مطلقة في السياسة النقدية أو إدارة سعر الصرف دون دراسة متخصصة، كذلك لا ينبغي أن يتحول التحليل الاقتصادي إلى بديل عن الخبرة الفنية عندما يكون الحديث عن جيولوجيا المكامن، أو سلوك الآبار، أو معدلات التناقص الطبيعي، أو تقنيات الحفر، أو الإنتاج من المياه العميقة، أو اقتصاديات تطوير الحقول.
الاقتصاد يستطيع أن يقرأ تكلفة المشروع وعائده، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرك لماذا انخفض معدل إنتاج بئر، أو لماذا تغير مسار الحفر، أو لماذا لم يتحول اكتشاف جيولوجي إلى إنتاج تجاري، أو لماذا تحتاج بعض الحقول إلى عمليات رفع اصطناعي أو إعادة إكمال أو حفر آبار إضافية.
هذه أمور تحتاج إلى أهل الاختصاص.
صحة الحساب لا تعني بالضرورة صحة الاستنتاج
الأخطر هو بناء استنتاجات كبيرة على معادلات حسابية صحيحة في حد ذاتها، لكنها لا تمثل كل متغيرات الواقع.
قد تقول مثلاً: لدينا إنتاج محلي معين واستهلاك محلي معين، إذن الفارق هو كمية الاستيراد المطلوبة. الحساب هنا قد يكون صحيحاً، لكن اقتصاد سوق الغاز لا يتوقف عند هذه المعادلة.
هناك موسمية في الطلب، ومعدلات تناقص للحقول، وآبار جديدة تدخل الإنتاج، وإنتاج يختلف من حقل إلى آخر، وقدرات معالجة ونقل، وتعاقدات، ومخزونات، واحتياجات لمحطات الكهرباء، واستهلاك صناعي، وأسعار عالمية، وإمدادات إقليمية، وقدرات إعادة تغييز وإسالة.
ولهذا فإن صحة الحساب الرياضي لا تعني بالضرورة صحة الاستنتاج البترولي.
فالمعادلة «10 – 6.1 = 3.9» قد تكون صحيحة حسابياً، لكن السؤال الأهم: ماذا تعني هذه النتيجة في الواقع التشغيلي والاقتصادي؟ هنا تبدأ القراءة الحقيقية.
النقد مطلوب.. لكن يجب أن يعرف حدوده
ليس المطلوب أن يكون كل من يكتب عن البترول مهندس بترول أو جيولوجياً، ولكن المطلوب على الأقل أن يعرف حدود تخصصه، وأن يستعين بأهل الخبرة عندما ينتقل من التحليل الاقتصادي إلى الاستنتاج الفني.
فإذا كان الحديث عن الاقتصاد، فليكن الحديث اقتصادياً. وإذا كان الحديث عن الجيولوجيا والاستكشاف والحفر والإنتاج، فهنا يجب الاستماع إلى الجيولوجي والمهندس والمتخصص الذي أمضى سنوات في الحقول والمنصات ومواقع الحفر والإنتاج.
فليس كل من قرأ أرقام الإنتاج أصبح خبيراً في صناعة البترول، كما أن امتلاك القدرة على إجراء عملية حسابية لا يمنح صاحبها بالضرورة القدرة على تفسير ما وراء الرقم.
ومن يعمل في قطاع البترول يعرف أن هناك فرقاً كبيراً بين قراءة تقرير عن بئر وبين الوقوف أمام منصة حفر ومتابعة عملياتها، وبين قراءة رقم إنتاج يومي وبين التعامل مع بئر يتغير ضغطها ومعدل إنتاجها وخصائص سوائلها، وبين الحديث عن حقل على الورق وبين إدارة عمليات تشغيل وصيانة وإنتاج في بيئة صحراوية أو بحرية على مدار 24 ساعة.
وهنا يجب إعادة الاعتبار إلى مفهوم مهم: «أعرف حدود معرفتي».
فليس عيباً أن يقول الإنسان: لا أدري. ولكن العيب أن يتحدث بثقة في أمر لا يملك أدوات معرفته، ثم يبني على هذا الحديث أحكاماً قاطعة تمس قطاعاً استراتيجياً يرتبط بأمن الطاقة والاقتصاد الوطني والأمن القومي المصري.
وقد عبر التراث العلمي عن ذلك بوضوح في العبارة المنسوبة إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز: «من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم»، واشتهر عن الإمام مالك قوله: «من قال لا أدري فقد أفتى».
وهذه ليست دعوة إلى الصمت أو احتكار الحديث في الشأن العام. على العكس، النقد مطلوب، والأسئلة الصعبة مطلوبة، ومحاسبة المسؤولين على النتائج والتكلفة والكفاءة حق أصيل للمجتمع.
لكن النقد شيء، وإصدار أحكام فنية دون امتلاك المعرفة الفنية شيء آخر تماماً.
قطاع يعمل على مدار الساعة
القول إن «وزارة البترول أصبحت وزارة مشتريات وبروباجندا» قد يكون تعبيراً إعلامياً جذاباً، لكنه لا يعكس حقيقة قطاع يعمل على مدار الساعة، ويضم مئات الآلاف من المهندسين والفنيين والعمال والشركات وفرق الحفر والإنتاج والصيانة والتشغيل، في الصحراء والبحر والمعامل والموانئ ومحطات المعالجة وشبكات النقل، بهدف واحد في النهاية: تأمين احتياجات مصر من الطاقة.
فالترند لا يرى دائماً ما يحدث في مواقع العمل.
وراء كل قدم مكعب من الغاز تمت إضافته إلى الشبكة مهندس وفني وعامل وفرق حفر وصيانة وتشغيل، يعملون في ظروف ليست سهلة، سواء في الحقول البرية أو البحرية.
هؤلاء لا يعملون من خلف مكاتب مكيفة، ولا يعرفون «الترند» اليومي على مواقع التواصل؛ إنهم يعملون لكي يستمر الإنتاج، ولكي تُحفر بئر جديدة، ويُربط اكتشاف بالإنتاج، ويُصلح تسهيل، وتُشغل محطة، وتُؤمّن شبكة.
ولهذا فإن تقييم قطاع البترول يجب ألا يكون فقط من خلال ما يكتبه مقال، وإنما أيضاً من خلال ما يحدث فعلياً على الأرض: آبار يتم حفرها، واكتشافات تتحقق، وحقول جديدة تدخل الإنتاج، وإنتاج يتم تعويض تراجعه الطبيعي، واستثمارات يتم جذبها، وبنية تحتية يتم تشغيلها وتطويرها.
تأمين الغاز ليس فشلاً في الإنتاج
من أكثر النقاط التي تحتاج إلى إعادة نظر التعامل مع الغاز المستورد باعتباره دليلاً على إخفاق الإنتاج المحلي.
والحقيقة أن الغاز المستورد، إلى جانب الإنتاج المحلي والإنتاج الإضافي الذي يتحقق من خلال جهود شركات القطاع وتحفيز الشركاء، يدخل في منظومة واحدة لتأمين احتياجات قطاعات الكهرباء والمصانع والأسمدة والبتروكيماويات والمرافق الحيوية، خصوصاً خلال فترات ارتفاع الطلب في فصل الصيف.
والسؤال الصحيح ليس: هل نستورد الغاز أم ننتج الغاز؟
بل: كيف نضمن توافر الغاز في كل وقت؟
فتوفير الغاز وتأمين احتياجات المصانع يضمن عدم إلحاق أضرار بالإنتاج القومي أو الصادرات، أو التأثير على القطاع الزراعي والمحاصيل نتيجة تأثر مصانع الأسمدة.
وانتظام التيار الكهربائي يحقق الاستقرار والوفاء بالتزامات الدولة أمام المواطن، ويدعم قطاعات الصناعة والسياحة وغيرها.
كما أن الطاقة المستهلكة في المصانع يمكن تعظيم القيمة والعائد منها عندما تتحول إلى منتجات وصناعات أعلى قيمة، مثل البتروكيماويات التي تنتج خامات مرتفعة الثمن تدخل في صناعات أخرى أو يتم تصديرها بعائد دولاري.
والواقع أن استقرار إمدادات الكهرباء، وعدم تكرار السيناريوهات التي شهدتها بعض القطاعات الصناعية من نقص إمدادات الغاز، لا يمكن فصله عن منظومة متكاملة لإدارة الإنتاج المحلي والاستيراد وشبكات النقل والتوزيع والبنية التحتية.
سداد مستحقات الشركاء.. خطوة وليست نهاية الطريق
من غير المنطقي أيضاً تقديم سداد مستحقات الشركاء وكأنه مجرد إجراء مالي لا علاقة له بالإنتاج.
ولا أحد يقول إن سداد المستحقات يعني اختفاء جميع تحديات قطاع الغاز.
لكن الحقيقة الاقتصادية الواضحة أن استعادة الثقة مع الشركاء تمثل عنصراً مهماً في قدرة القطاع على جذب الاستثمارات وتسريع برامج الحفر والاستكشاف والتنمية.
بمعنى آخر، سداد المستحقات ليس نهاية الطريق، وإنما أحد شروط فتح الطريق أمام مزيد من الاستثمار والإنتاج.
ومن ثم فإن تقييم هذه الخطوة يجب أن يرتبط بما يمكن أن تنتجه لاحقاً من نشاط استثماري وحفر وتنمية، وليس فقط بحجم الأموال التي تم سدادها.
«السقوط الحر».. هل هو توصيف دقيق؟
وصف إنتاج الغاز بأنه في «سقوط حر» تعبير استعراضي يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة عندما يستخدم لتوصيف مستقبل قطاع كامل.
الإنتاج في الحقول القديمة يتعرض بطبيعته لمعدلات تناقص، وهذه حقيقة فنية معروفة في صناعة البترول والغاز.
لكن المعادلة لا تنتهي هنا.
هناك حفر جديد، واستكشافات، واكتشافات يتم تقييمها وتنميتها، وآبار يتم ربطها بالإنتاج، وبرامج تستهدف تعويض التناقص الطبيعي للحقول القائمة.
والهدف ليس الادعاء بأن الإنتاج ارتفع لمجرد تقديم صورة إيجابية، وإنما إيقاف منحنى التراجع ثم استعادة النمو تدريجياً.
وهنا تحديداً يجب أن يسأل أي تحليل اقتصادي جاد: ماذا كان سيحدث لو استمر منحنى انخفاض الإنتاج بالمعدلات نفسها دون تدخل؟
هذا السؤال أكثر أهمية من مجرد وصف الوضع الحالي.
شرق المتوسط.. منافس أم فرصة؟
ربما تكون إحدى أكثر النقاط التي تحتاج إلى إعادة تقييم هي النظر إلى غاز شرق المتوسط باعتباره منافساً للغاز المصري.
مصر تمتلك بنية تحتية متقدمة للغاز، وسوقاً محلية كبيرة، ومرافق للمعالجة والإسالة، وموقعاً جغرافياً مميزاً.
وبالتالي فإن وصول غاز من حقول شرق المتوسط إلى البنية التحتية المصرية لا يعني ببساطة «واردات»، بل يمكن أن يعني تعظيم استخدام أصول قائمة، وزيادة معدلات تشغيل البنية التحتية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجميع ومعالجة وإسالة وتداول الغاز.
وهنا يصبح الغاز القبرصي تحديداً جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع من مجرد شراء شحنة غاز.
فالقيمة لا تكمن فقط في الغاز ذاته، وإنما في الموقع والبنية التحتية والسوق والخبرات وقدرات المعالجة والإسالة، وهي ميزة لا تملكها كل دول المنطقة.
هل التدفقات الإقليمية تضع «سقفاً قسرياً» للإنتاج المصري؟
مصطلح FORCED CAP يبدو حاسماً للغاية، لكنه يقوم على مجموعة من الافتراضات التي يمكن أن تتغير.
فنقطة التوازن في سوق الغاز ليست رقماً ثابتاً، وإنما تتحرك وفقاً لعوامل كثيرة، من بينها حجم الطلب المحلي، ومعدلات النمو الصناعي، واحتياجات قطاع الكهرباء، والتوسع في الأسمدة والبتروكيماويات، والاكتشافات الجديدة، ومستويات الأسعار، وكفاءة البنية التحتية، وقدرات المعالجة والإسالة، والتدفقات الإقليمية، وفرص التصدير والاستثمارات الجديدة.
ومن ثم فإن القول إن وجود غاز تستقبله مصر من حقول شرق المتوسط سيضع تلقائياً سقفاً للإنتاج المصري يتجاهل أن حجم السوق نفسه ليس ثابتاً.
فمصر اقتصاد كبير، ولديها احتياجات متنامية من الكهرباء والصناعة والأسمدة والبتروكيماويات ومشروعات القيمة المضافة.
زيادة الإنتاج المحلي لا تفقد قيمتها بسبب الاستيراد
من أكثر الاستنتاجات التي تستحق التوقف أمامها القول إن زيادة الإنتاج المحلي قد تصبح بلا قيمة في ظل وجود واردات.
وهذا استنتاج يصعب الدفاع عنه اقتصادياً بهذه الصورة المطلقة.
زيادة الإنتاج المحلي تعني، قبل أي شيء، تعزيز أمن الطاقة وتقليل المخاطر وزيادة المرونة.
أما وجود واردات في وقت معين فلا يلغي قيمة الإنتاج المحلي، بل إن امتلاك أكثر من مصدر للإمداد قد يكون في حد ذاته عنصر قوة.
والدولة لا يفترض أن تتعامل مع الإنتاج المحلي والاستيراد باعتبارهما طرفين متناقضين دائماً، وإنما باعتبارهما أداتين ضمن منظومة أوسع لتأمين احتياجات السوق.
ماذا لو تحول الغاز إلى نشاط صناعي؟
هذه ربما هي الزاوية التي تغيب عن بعض التحليلات.
الغاز ليس فقط منتجاً يجب إنتاجه ثم البحث عن طريقة لتصريفه، وإنما هو مدخل إنتاج.
وعندما تتوافر الإمدادات، يمكن أن تتوسع الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة، وتزيد استثمارات الأسمدة والبتروكيماويات، وتنشأ مشروعات جديدة للقيمة المضافة.
وبالتالي فإن زيادة المعروض من الغاز يمكن أن تتحول من «مشكلة فائض» إلى فرصة للنمو الصناعي إذا تزامنت مع سياسات استثمارية وصناعية مناسبة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل نريد النظر إلى الغاز باعتباره سلعة نبحث عن مشترٍ لها، أم باعتباره أحد مدخلات بناء اقتصاد صناعي أكثر عمقاً؟
الأخبار ليست أسرع من الأرقام
القول إن الوزارة «تدير الأخبار أسرع من الأرقام» هو حكم يحتاج بدوره إلى اختبار.
فالنتائج لا تقاس فقط بعدد البيانات الصحفية، وإنما بما يتم على الأرض: آبار تم حفرها، اكتشافات تحققت، اكتشافات تم ربطها بالإنتاج، إنتاج جديد تمت إضافته، برامج استكشاف وتنمية، استثمارات وشراكات، وبنية تحتية تعمل بكفاءة.
والحكم العادل يجب أن يضع هذه العناصر جميعاً في الميزان، لا أن يأخذ رقماً واحداً ويترك باقي المعادلة.
النقد مطلوب.. لكن الموضوعية أهم
لا أحد يطالب الصحافة أو الخبراء بالتوقف عن النقد.
بل على العكس، قطاع بحجم قطاع البترول يحتاج إلى نقد مهني مستمر، وإلى أسئلة صعبة، وإلى مساءلة عن النتائج والتكلفة والكفاءة.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد وبين بناء رواية تبدأ من نتيجة ثم تبحث عن الأرقام التي تثبتها.
الاقتصاد لا يعمل بهذه الطريقة.
وسوق الغاز تحديداً أكثر تعقيداً من أن تختصره عبارة مثل «أزمة» أو «فائض» أو «سقف قسري».
فالحقيقة الكاملة تشمل في الوقت نفسه: تراجع إنتاج بعض الحقول، وزيادة الإنتاج من آبار أخرى، وبرامج حفر واستكشاف، واكتشافات جديدة، واستثمارات، وسداد مستحقات للشركاء، وغازاً إقليمياً، وبنية تحتية مصرية، وطلباً محلياً متزايداً، واحتياجات كهرباء وصناعة، وفرصاً للتوسع في القيمة المضافة.
وإذا كان هناك واقع يجب أن يُروى، فهو ليس فقط واقع الأرقام الموجودة على الورق.
هناك أيضاً واقع آلاف العاملين الذين يواصلون العمل في الحقول والمنصات والمصانع والموانئ وشبكات الغاز، 24 ساعة في اليوم، وفي ظروف تشغيلية صعبة، حتى يصل الغاز إلى محطة الكهرباء والمصنع والمرفق الحيوي.
هذه ليست بروباجندا، وليست محاولة لإنكار التحديات.
إنها ببساطة الجزء الآخر من الحقيقة.
والحقيقة الكاملة هي وحدها التي تسمح بحكم عادل على قطاع لا يحتمل التبسيط، ولا يستفيد من التهويل، ولا يحتاج إلى تجميل.
النقد مطلوب.. لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الطاقة واقتصاد دولة، فإن الدقة ليست رفاهية إعلامية، والموضوعية ليست مجاملة لأحد؛ إنها شرط لصحة الحكم نفسه.
وفي الختام، تحية واجبة وشكر وتقدير لكافة العاملين بقطاع البترول المصري والقائمين عليه، وفي مقدمتهم المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، الذين لا يألون جهداً لخدمة المواطن المصري وتلبية احتياجاته من الوقود والطاقة.




