مقالات

البطارية فضيت

 بقلم

عبد الفتاح موسي

رئيس اللجنة النقابية بشركة بتروامير

 

اليوم، لم آتِكم محمّلًا بالحنين،

ولا بألبوم صورٍ من زمنٍ كان أخفّ على القلب، ولا دفءَ الثمانينات، ولا بهجة التسعينات، ولا طاقة إيجابية اعتدتُ أن أوزّعها كأنها لا تنفد.

 

اليوم جئتُ فارغ اليدين،ثقيل الروح، أجرّ خلفي إحساسًا واحدًا لا يفارقني … البطارية فضيت.

 

ليس تعب يومٍ ولا إرهاق مرحلة، بل ذلك الإرهاق الطويل

الذي يتراكم دون صوت، حتى تستيقظ فجأة ولا تجد في داخلك ما يكفي لتبدأ من جديد.

 

يقولون إن الدنيا دار شقاء، وإننا وُلدنا لنَجري ونصارع…

نلحق بأنفاسنا قبل أن تسبقنا الأيام.

 

بدأت الرحلة بصرخة، ثم طفلٌ صغير يجري بلا اتجاه،

كأنه يطارد فطرته قبل أن تخونه السنين.

 

سنوات دراسة، ومدارس لا ترحم، وأوراق تُقاس فيها القيمة بدرجات، وكان كل امتحان ينزع قطعة صغيرة من قلب طفلٍ أراد فقط أن يظل طفلًا.

 

ثم مراهقة، وحبٌّ بريء، وأحلامٌ كنا نظنها واسعة كالدنيا،

لكن الأعمار تسلّلت منها واحدًا تلو الآخر، وسقطت الأحلام كما تسقط الأوراق اليابسة من شجرةٍ أنهكها الزمن.

 

يخرج الشاب إلى العالم، عالمٍ أسرع، أقسى، لا يعترف بالضعف، ولا ينتظر المتعبين.

 

سوق عمل و إثبات ذات، حبٌّ هذه المرة حقيقي، يريد أن يكتمل… لكن الطريق إليه كان جريًا بلا توقف.

 

وهنا تغيّر شكل الجري، لم يعد خفيفًا،

صار محمّلًا بالأثقال:

مسؤولية،

وعِشرة،

وطفلٌ ينظر إليه كأنه العالم كله،

وينتظر أن يكون جديرًا به.

 

تحرّكه العاطفة، لكنها لم ترحمه، دفعتْه لمزيد من الجهد، لمزيد من الاستنزاف،

حتى أصبح الجري ذاته شكلًا آخر من أشكال التعب.

 

ثم فجأة…

بيت، وأطفال، ومستقبلٌ لا يقبل التأجيل، فيحمل فوق ما يحمل، ويواصل السير وكأنه لا يملك رفاهية التوقف.

 

وفي الطريق عثرات لم تُحسب، وانكسارات لم تُخطّط،

وأوجاعٌ تأتي في أكثر اللحظات ازدحامًا،

وهو…

كما هو…

يمضي.

 

لم يكن هذا تمرّدًا،

ولا اعتراضًا على الحياة،

بل رجاءً صغيرًا

يشبه الهمس:

قسط من الراحة.

 

لكن البطارية فضيت، والشاحن غير موجود،

وكأن الراحة امتيازٌ لا يُمنح لمن حملوا أكثر مما ينبغي.

 

فكيف يرتاح

من لم يُنزل أحماله؟

وكيف يهدأ

وقلبه مثقل؟

وشَعره شاب؟

وعمره مضى وهو يجري؟

 

وإن توقّف قليلًا…

هل يكون قد خالف قوانين السباق؟

أم أن التحدي الحقيقي هذه المرة أن يواصل الجري وبطاريته فارغة؟

 

فهل نحتاج شاحنًا… ؟!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!